عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
123
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضّحى : 11 ] . ونسأل اللّه عزّ وجلّ أن لا يميتني حتى أكمله ليكون رحمة لي وللناس . ولما مشيت لتونس للقراءة مكثت خمسة أعوام ولم أزر القيروان وفيها والدتي ووالدي وإخوتي مع قرب الموضع ، فحاسبت نفسي يوما من أجل والدتي ، وقلت : من محبّتها في لا تبعث لي بالوصول إليها ، لأني قد لا نريد ذلك ، فمن طريق البرّ إني أمشي إليها فمشيت فلما سلّمت عليّ قالت لي : يا ولدي ما سبب وصولك وما بعثت وراءك ؟ فأعلمتها بما تقدم فقالت لي : كذلك كنت أقول ، فلما لم تنصف من نفسك بغير بعث مشيت إلى قبر الشيخ أبي محمد بن أبي زيد وقلت : يا شيخ ولدي الذي كان يقرأ عندك ابن الحاجب غاب عني يقرأ بتونس فله اليوم خمسة أعوام لم يزرني ، اللّهمّ يا رب بحرمة هذا الشيخ قلّب قلب ولدي للوصول إليّ فغلب على ظني أنه الوقت الذي تحرك فيه قلبي فأقمت عندها سبعة أيام ، خاصّة وأذنت لي في الرجوع فرجعت وكان رجل من أصحابنا عنده ابنة فعرضها علي للتزويج فأبيت ، فأخذ يشكرها شكرا تامّا ، وكنت صغير السّنّ فتعلّق بي مذي وصار يلازمني وكنت إماما فشقّ ذلك علي لأجل الصلاة بالناس لما قد عرفت من الخلاف في إمامة صاحب السّلس فأتيت قبر الشيخ أبي محمد وبسطت له المسألة وتوسلت إلى اللّه تعالى بما قرأ وما قرئ عليه أن يرفعه عني ، فرفعه اللّه فورا وما رأيته إلى الآن ، ولذلك نحو من أربعين سنة ، وما أتيت قبر الشيخ أبي محمد ودعوت اللّه عنده في شيء إلّا جعل اللّه من أمري فيه فرجا ومخرجا ، وإذا كنت خائفا من شيء ونقل نصل لقبره ندعو ثم نزاهد ولا نصل ننتكب في غالب الحال ، ككوني أعزل عن قضاء بلدة أكون فيها ، وقد عزلني السّلطان أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز من بعض ولا يأتي وامتلأ عليّ غيظا لكثرة ما سمع ، وما علم ما عندي ، ووصلت إلى القيروان بأهلي فكنت أعمل فيها الميعاد كعادتي ، فأكثرت عند قبره بالدّعاء والتّضرّع إلى اللّه عزّ وجل بما قرأ الشيخ وقرئ عليه ، أن يعرف السلطان حالي وما أنا عليه ، فقدّمني شيخنا أبو مهدي عيسى رحمه اللّه تعالى قاضيا ببلد الأربص « 1 » ، وأمرني بالوصول لتونس لأخذ الظّهير بها ، فحضرت مجلس
--> ( 1 ) الأوربص : في كتاب وصف إفريقيا كتبت الصاد « سينا » أوربس وهي مدينة عتيقة بناها الرومان كما يدل اسمها على ذلك ، تقع في سهل جميل جدا أرضها خصبة تزود بلاد تونس بالقمح والشعير تبعد عن تونس نحو تسعين ميلا تكثر فيها الآثار الرومانية . للمزيد انظر : وصف إفريقيا ص : 65 .